بدأت رحلتي مع العقيدة العلويّة في سن الخامسة عشرة، وكانت البداية اهتماماً صادقاً تحوّل مع الوقت إلى بحثٍ متواصل وسؤالٍ لا يهدأ. قرأت، وسألت، وراجعت ما استطعت من كتب ومراجع، وكان لانتمائي إلى عائلة من شيوخ العقيدة العلويّة أثر في تيسير هذا الطريق، كما أن نشأتي في قريةٍ علويّة يسودها تواصل اجتماعي قوي، وتكثر فيها المجالس التي يُتداول فيها الحديث في شؤون الدين، جعلت هذا المجال قريباً من حياتي اليومية، وزادت من اهتمامي به.

لكنّ هذه المجالس، على أهميتها، لم تكن كافية حين بدأت الأسئلة العميقة تفرض نفسها، عندها أصبح من الضروري أن أرجع إلى رجل دين علويّ يمتلك من العلم ما يكفي للإجابة عن تساؤلاتي الكثيرة، فكان من أبرز من رجعت إليهم في هذه المرحلة هو ابن عم والدي، الشيخ محمد أيوب أحمد، الذي أتاح لي مكتبته الواسعة، وبذل من وقته وعلمه بسخاء، وكان له فضلٌ كبير في تقريب كثيرٍ من الأجوبة التي كنت أبحث لها عن تفسير.

مع ذلك، لم تكن هذه الأجوبة ولا المعرفة التي وجدتها في الكتب العلويّة كافية وحدها لتمنحني الطمأنينة التي كنت أبحث عنها، أو لتخفّف إلحاح السؤال في داخلي، وبقيت أمامي مفاهيم لا أستطيع قبولها لمجرّد أنها موروثة، ومعانٍ لا ترضيني ما لم أجد لها وجهاً من العقل، وصدقاً في التوحيد، واتساقاً مع ما يليق بالله. لذلك اتسع بحثي إلى ما هو أبعد من البيئة التي نشأت فيها، ودخلت في رحلةٍ واسعة بين الأديان والمذاهب والفلسفات، أبحث فيها عمّا يقربني من الحقيقة.

وخلال هذه الرحلة، لم أكن أقبل الانتماء إلى دين أو مذهب ما لم أصل إلى قناعة حقيقية تطمئن إليها نفسي ويقبلها عقلي، ولكنّ المجتمع الإسلامي، بحكم طبيعته، لا يترك للإنسان مساحةً كافية ليبقى بلا انتماءٍ ظاهر، لذلك كنتُ في كل مرحلة أنسب نفسي إلى الجهة التي انتهى إليها بحثي عندما أُسأل عن مذهبي، وبعد أن اطّلعتُ على عدد من المعتقدات، ولا سيما الباطنية منها والفلسفية، وقارنت بينها، واختبرت ما فيها من مفاهيم، عدت إلى العلويّة بنظرة مختلفة عن تلك التي بدأتُ بها، فلم أعد أنظر إلى الصور التي تراكمت حولها وحجبت كثيراً من حقيقتها، بل صرتُ أقترب من جوهرها نفسه، مجرّداً مما علق به مع الزمن، واتّضح لي المعنى أكثر، ووجدتُ ما كنتُ أبحث عنه منذ البداية.

وعندها بدا لي أن المشكلة لا تقف عند حدود بحثي الشخصي، لأن الصورة المتداولة عن العقيدة العلويّة، ابتعدت كثيراً عن جوهرها، وتراكمت حولها الاتهامات، والتفسيرات، والصور المشوّهة، حتى صار الوصول إلى أصلها أمراً صعباً على من هو خارجها، ومرهقاً حتى لكثيرٍ من أبنائها.

عندها بدأت أعرض بعض هذه الأفكار في مساحة عامة، بقصد تنقية العقيدة مما علق بها من تشويه، وفتح باب النقاش في بعض المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة قراءة وتدقيق، وحاولتُ، قدر الإمكان، أن ألتزم الحياد الفكري، وأرجع إلى المفاهيم التي يتكوّن منها جوهر هذه العقيدة، مثل النور، والعقل، والتجلّي، والتزكية، والهداية، وأن أنظر إلى القرآن بوصفه طريقاً للفهم والارتقاء، لا مجرد نصٍّ يُستشهد به من غير وعيٍ بسياقه ومعناه.

وبعد أن رأيت ما أثارته هذه المحاولة من تفاعلٍ وقبول، تبيّن لي أن هذا النوع من الطرح لا ينبغي أن يبقى موزعاً في صفحات ومنشورات متفرقة، بل يحتاج إلى صيغة أكثر تماسكاً تحفظ ترابط المعاني وتيسّر الرجوع إليها، فاتجهت إلى جمع هذه الأفكار في كتاب، ضمن ترتيب متدرج للأفكار يقود القارئ في نهايته إلى مسار مختلف في النظر إلى العقيدة العلوية والقرآن والوجود.

لذلك أدعو القارئ أن يدخل هذا الكتاب بعين السؤال لا الخصومة، وبالرغبة في الفهم لا في إسقاط قناعاته السابقة على ما يقرؤه، فمن يقرأه باحثاً عن خصم، لن يرى فيه إلا ما يعينه على خصومته، أما من يقرأه طلباً للمعنى، فقد يجد فيه ما يوافق بعض ما كان يدور في ذهنه، أو ما يفتح له باباً آخر للفهم، أو ما يدفعه إلى مراجعة أفكار وصور اعتادها من قبل، وهذا أمر طبيعي، لأن المعرفة لا تأتي دائماً لتؤكد المألوف، بل قد تأتي أحياناً لتكشف أن بعض ما استقرّ في الذهن لم يكن إلا نتيجة عادة متراكمة، أو خوف، أو نقل غير دقيق.

في النهاية، لا يدّعي هذا الكتاب الإحاطة الكاملة، ولا يقصد إغلاق باب البحث، بل هو محاولة للنظر في العقيدة العلويّة من داخل معناها، والاقتراب من جوهرها بقدر ما أستطيع، وفتح باب أوسع لفهمها بعيداً عن التشويه الذي تراكم حوله.