بعد الحديث عن مراتب الخلق وتدرّجها، لا يبقى السؤال محصوراً في كيفية ظهور العالم، بل ينتقل إلى غايته: لماذا وُجد الخلق أصلاً، وما وجهة الإنسان في هذا الوجود؟ فالكون بما فيه من نظام، وترابط، وقوانين، وبنية تفسح المجال للحياة والعقل والإدراك، ينفي العبث، ويدل على الحكمة. لأن العبث لا ينتج هذا القدر من التماسك، ولا يفتح للإنسان باب الحقيقة، ولا يهيّئ له إمكانية المعرفة والاختيار. قال تعالى:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾[سورة المؤمنون: 115]
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾[سورة ص: 27]
وهنا يُطرح السؤال التالي: إذا كان الله كاملاً وغنياً، فلماذا يخلق؟
المشكلة هنا هي قياس فعل الله بميزان أفعال المخلوق. فالإنسان يفعل لأنه يحتاج، أو ينقصه شيء، أو لأنه يريد أن يحصل على ما ليس عنده. أمّا الله، فكماله سابق على الخلق، وغِناه قائم بذاته، ولا يزيده وجودنا شيئاً. لهذا قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾[سورة فاطر: 15]
أي أن الله غنيّ بذاته، سواء وُجد الخلق أم لم يوجدوا. فالله لم يخلقنا لأن عبادتنا تزيد في مُلكِهِ، أو لأن وجودنا يملأ فراغاً عنده، ولا لأن عَدَمنا كان يضره، وانتفاء الاحتياج، دليلاً على أن الخلق، من جهة الله، هو أثر من آثار الحكمة والإرادة والفيض، ومن جهة الإنسان، هو العطاء الأول الذي مُنح فيه فرصة الوجود، والحياة، والإدراك، والاختيار، والارتقاء، وهذا كله لم يكن له أن يظهر لو بقينا في العدم. وفي هذا السياق تأتي الآية:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[سورة الذاريات: 56]
لتبيّن ماينبغي أن يصير إليه الإنسان بعد الخلق، وتشرح وظيفته في الوجود وما الوجهة التي ينبغي أن تتجه إليها حياته، فالعبادة في جوهرها أوسع من الطقوس وحدها، وسيأتي شرح ذلك في فصل مراتب الإنسان. فالإنسان حين يفهم لماذا خُلق، لا تبقى الحياة عنده مجرد مرور في هذا العالم، بل تصير سعياً واعياً إلى الحق، واقتراباً من النور الذي بدأ منه. لذلك ارتبطت العبادة بالمعرفة، لأن الاقتراب من النور يقتضي وعياً يميّز الطريق إليه. من هنا جاءت الإشارة القرآنية إلى آيات الآفاق والأنفس، لأنها تفتح للإنسان طريق الوعي الذي يهتدي به إلى هذا النور، فقال تعالى:
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾[سورة الذاريات: 20-21]
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾[سورة فصلت: 53]
أي أن الوجود كله مجال كشف تظهر فيه آثار القدرة، والعلم، والحكمة، والرحمة، ويُعطى الإنسان فيه من العقل والوعي مايمكّنه من قراءة هذه الإشارات والتأمل فيها. لكن هذا العقل يبقى محدوداً، ولا يُدرك من حكمة الخلق إلا بقدر ما أُعطي من بصيرة، قال تعالى:
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾[سورة الإسراء: 85]
ولهذا جُعلت الحياة ساحة للابتلاء، حتى ينضج وعي الإنسان، وتتسع قابليته، وتخرج معرفته من طور الإدراك إلى التحقق، فمن غير الاختيار لا يظهر موقع الإنسان من الحق، ومن غير الابتلاء لا تتبين ثمرة المعرفة، ولا يثبت الصدق، ولا يتميّز الخير من الشر. وبذلك ارتبط الخلق بالارتقاء من العالم المادي إلى الصفاء الذي بدأ منه. بقوله تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾[سورة الشمس: 9-10]
