يفتتح القرآن هذه الرحلة بقوله تعالى:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾[سورة الإسراء: 1]

من الكلمة الأولى ينفتح معنى الإسراء، فالتسبيح يردّ الفهم إلى التنزيه، ويهيّئ القلب لحدث يجري في أفق القدرة والآية، لا في حدود الحس المعتاد. في هذا الأفق تظهر العبودية مقاماً يتهيأ فيه الإنسان للشهود، ويأتي الليل لحظة صفاء يهدأ فيها الداخل، ليتسع لما سيرى من آيات. وقد سبق شرح معنى العبودية، وأنها جوهر الطريق، وأعلى ما يبلغه الوعي المخلوق عندما يستقيم على التوحيد.

والليل في القرآن موضع ذكر وقيام ووحي، كما في قوله تعالى:

﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾[سورة المزمل: 6]

فكأن الإسراء يبدأ في الزمن الذي تخفّ فيه ضوضاء العالم، وتنخفض فيه هيمنة الحس، وتصبح النفس أقرب إلى التلقي. وفي هذا الصفاء يرسم القرآن خط الحركة الأولى:

﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾[سورة الإسراء: 1]

وهذا انتقال من مركز التوحيد الظاهر، ونقطة انتظام الشريعة في العالم المشهود، إلى موضع البركة، وملتقى الذاكرة النبوية، وامتداد خط الرسالات في التاريخ. لهذا قال تعالى:

﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾[سورة الإسراء: 1]

فالبركة لا تقف عند البناء نفسه، بل تمتد إلى ما حوله من أثر وذاكرة وميراث نبوي من نور ومعنى. فتصبح الرحلة انتقالاً من مركز التوحيد الأول إلى أفق الامتداد النبوي، كأن الوعي يعبر من موضع الأصل إلى موضع الامتداد. قال تعالى:

﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾[سورة الإسراء: 1]

لأن ما أُعطي في هذه الرحلة لا يُقال، بل يُشهد ويُعاش، وفيه ارتقاء في الإدراك، ورؤية تجعل القلب يعيش المعنى. الإسراء في هذه الرحلة، فتح في البصيرة، وتهيئة لرسول سيعود من هذه الرحلة أشد رسوخاً، وأوسع رؤية، وأثبت قلباً.

من هنا ينفتح باب المعراج في سورة النجم. قال تعالى:

﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ﴾[سورة النجم: 1-5]

والنجم هنا يحمل معنى الهداية، كأن نوراً يقترب من مجال الوعي والإدراك، فيتهيأ الفؤاد لما سيشهد. ثم تأتي الآيات بعد ذلك لتثبت أن ما رآه الرسول حق، وما نطق به وجرى له يقع كله في مقام الوحي والتعليم الإلهي، حتى يبلغ المشهد لحظة القرب، والحد الأعلى الذي يطيقه الإدراك المخلوق. قال تعالى:

﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾[سورة النجم: 7-9]

وهذا القرب هو قرب شهود وحضور وانكشاف، وامتلاء الفؤاد بالنور، واتساع الوعي بالمعنى، ويظل هذا كله منضبطاً بالتسبيح الذي افتتحت به الرحلة. فالقرب لا يلغي الحدّ بين الخالق والمخلوق، وإنما يرفع الوعي ويثبت العبودية. وفي هذا القرب يعبّر القرآن عن وقوع الوحي من غير تفصيل، لأن ما انكشف في هذا المقام أوسع من أن تحيط به اللغة، وإنما يصدّقه الفؤاد ويعاينه بوعيه. قال تعالى:

﴿فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ﴾[سورة النجم: 10]
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾[سورة النجم: 11]

وهنا يتبين الفرق بين علم يُقال، وعلم يُذاق ويُشهد. ولهذا يواصل القرآن تثبيت هذا المقام، من جهة صدق الرؤية واتساعها، فيقول:

﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ﴾ [سورة النجم: 12-15]

فسدرة المنتهى تشير إلى الحد الذي تنتهي عنده مراتب الإدراك المخلوق، وجنة المأوى تقترن بمقام السكينة والاستقرار، وكأن الشهود يبلغ موضعه الأصفى، ويصل القلب إلى مأواه في هذا المقام. ثم يأتي تمام الرؤية والحضور في قوله تعالى:

﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾[سورة النجم: 16-17]
﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾[سورة النجم: 18]

فتنكشف الرحلة على أنها كشف واسع لمراتب الحق والهداية والوجود، يعود به الرسول إلى الناس أشد بصيرة، وأرسخ قلباً. ومن آثار الرحلة الصلاة، بوصفها صورة متكررة من معنى المعراج، ينتقل فيها الإنسان من ثقل الأرض إلى صفاء التوجه، ومن تشتت النفس إلى حضور القلب. وهكذا يظهر الإسراء والمعراج طريقاً كاملاً يبدأ من العبودية، وينفتح على الشهود، ثم يعود إلى الحياة هدايةً ورسالةً ونوراً ثابتاً في الفؤاد.