تكشف آيات السماوات والأرض في القرآن بنية الوجود ونظام حركته: كيف يصدر الأمر، وكيف يتنزّل، وكيف ينتقل من مرتبة إلى مرتبة حتى يصبح خلقاً، وواقعاً، وتجربة، وحياة. لكن الذهن، إذا قرأ هذه الآيات بعين الحس، ينشغل بموقع هذه السماوات وصورتها، مع أن الأهم هو ما تكشفه عن نظام الخلق، وعن الصلة بين الأمر، والتدبير، والتنزّل، والعروج. لذلك لا يكون التركيز على عدد السماوات وهيئتها بقدر ما يكون على ما يجري فيها، وما يتنزّل بينها، وما يتصل بها من أمر وتدبير. قال تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾[سورة الملك: 3]
وكلمة طباقاً تحمل معنى الترتيب والتراكب وتعاقب المراتب، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى:
﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾[سورة فصلت: 12]
فوجود أمر في كل سماء يفتح باب فهم السماوات على أنها مراتب تدبير، ولكل مرتبة منها وظيفتها داخل نظام الخلق. لهذا يتكرر في القرآن منطق نزول الأمر، وعروجه، وتدبيره، كما في قوله تعالى:
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾[سورة السجدة: 5]
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾[سورة القدر: 4]
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾[سورة الطلاق: 12]
﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾[سورة المعارج: 4]
وحين تُفهم هذه الآيات يظهر أن الحديث عن بنية متدرجة، وانتقال بين مستويات يرتبط بعضها ببعض داخل نظام محكم، فيه السماء تتصل بالأمر، والتدبير، والتنزّل، والعروج، بينما تتصل الأرض بالخلق، والتحقق، والفعل، والابتلاء. ويأتي التماثل بين السماء والأرض بالعدد فقط، مع بقاء الاختلاف قائماً من جهة الوظيفة والمرتبة، قال تعالى:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾[سورة الطلاق: 12]
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾[سورة الأعراف: 54]
وهنا يظهر مستويان:
الأمر، وهو جهة التقدير والتدبير والتوجيه.
الخلق، وهو جهة التحقق والظهور في الواقع.
وهكذا يمكن فهم السماوات على أنها أقرب إلى مراتب الأمر، والأرضين على أنها أقرب إلى مراتب التحقق والفعل. ولا يكتمل فهم هذا النظام إلا بحركتين متقابلتين: تنزّل من الأعلى إلى الأدنى، وعروج من الأدنى إلى الأعلى.
