إذا نظرنا إلى النظام الكوني من جهة التنزّل والعروج، أمكن فهمه على نحوٍ يبدأ من الأعلى إلى الأدنى، لأن الأمر لا يظهر دفعةً واحدة، بل يمرّ عبر مراتب في الإحكام، والانتظام، والتقدير، حتى يبلغ مجال الظهور الكوني.
السماء السابعة: المرتبة العرشية
هي الأفق الأعلى في نظام السموات، والأقرب إلى معنى العرش من غير أن تكون عين العرش. ومنها يُفهم معنى الاستواء والتدبير الأعلى. أقول "عرشية" لا "العرش نفسه"، حتى يبقى الفرق محفوظاً بين السماوات ومقام العرش. قال تعالى:
﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾[سورة طه: 5]
﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾[سورة يونس: 3]
السماء السادسة: مرتبة المنتهى
هي المرتبة التي تشير إلى الحد الذي يبلغ عنده الوعي المخلوق أقصى ما يمكن أن يدركه من جهة نفسه. وهي منتهى من جهة المخلوق، لا من جهة الخالق. قال تعالى:
﴿عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ﴾[سورة النجم: 14]
السماء الخامسة: مرتبة التقدير
في هذه المرتبة يظهر معنى التقدير، أي وضع المقادير، والحدود، والمسارات التي يجري عليها الخلق قبل تحققه. وهي التي تجعل الوجود جارياً على نظام، لا على فوضى. قال تعالى:
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾[سورة الرعد: 8]
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾[سورة القمر: 49]
السماء الرابعة: مرتبة الأمر
بعد التقدير يأتي تنظيم الأمر، أي توزيع الوظائف والمراتب والمسارات داخل نظام الخلق، بحيث لا يبقى الأمر مجرد تقدير كلي، بل يدخل في انتظام مخصوص، لكل مرتبة فيه شأنها ووظيفتها. ومن هذا الوجه يُفهم قوله تعالى:
﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾[سورة فصلت: 12]
السماء الثالثة: مرتبة التنزّل
في هذه المرتبة يبدأ الأمر في التنزّل عبر المراتب حتى يقترب من مجال التحقق. وهنا تظهر الملائكة بوصفها جهات تنفيذ في نظام الأمر. قال تعالى:
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾[سورة القدر: 4]
﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾[سورة الطلاق: 12]
السماء الثانية: مرتبة الحُبُك
في هذه المرتبة يظهر معنى الانتظام الباطن والطرائق التي تنتظم بها حركة الأمر بين المراتب. وتُحكم فيه المسالك ويتهيأ به الانتقال من الأعلى إلى الأدنى. قال تعالى:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾[سورة الذاريات: 7]
السماء الأولى: السماء الدنيا
هي أقرب مراتب السماء إلى العالم المحسوس، وفيها يظهر النظام الكوني في صورةٍ مشهودة تدركها الأبصار، من مصابيح، وكواكب، وعلامات يُهتدى بها. وهي أيضاً موضع الحفظ من جهة صيانة هذا الأفق الأدنى من الاختراق والاضطراب. ولهذا جمع القرآن فيها بين الزينة، والهداية، والحفظ. قال تعالى:
﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾[سورة فصلت: 12]
﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾[سورة النحل: 16]
