كما كشفت السماوات مراتب الأمر في تنزّله، فإن الأرضين تكشف المراتب التي يبلغ فيها هذا الأمر موضع التحقق والامتحان، وفي هذا المستوى يكون الحديث عن ظهور تدبير الوجود في ساحة الفعل، حيث يدخل الإنسان في التجربة، ويتدرج من التكوين إلى الوعي، ومن الوعي إلى التزكية، حتى يبلغ ما خُلق له. وبهذا المعنى تُفهم الأرضين على أنها مراتب تحقق الإنسان داخل العالم، ودرجات يمر بها وجوده من الجسد إلى الاستخلاف.
مرتبة الجسد
الجسد هو أول موضع يظهر فيه التحقق، وبه تدخل النفس مجال التجربة، وفي هذه المرتبة يبدأ الوجود الإنساني من جهته المادية، لأن البداية الأرضية تبدأ من هذا التكوين الذي يجعل الوجود ممكناً في عالم الفعل.
مرتبة الغريزة
الغريزة هي الدافع الأول الذي يشد الإنسان إلى الحاجات، والرغبات، والدفاع عن البقاء. وهذه المرتبة جزء من التكوين، لكنها تصبح حجاباً عندما تستولي على الإنسان ولا ترتقي معها بقية قواه. قال تعالى:﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾[سورة الفرقان: 44]
مرتبة الاختيار
في هذه المرتبة يبدأ الإنسان بالخروج من حكم الغريزة المجردة إلى مجال التمييز والمسؤولية. ومن هذا الموضع يبدأ معنى التكليف، لأن الاختيار هو أول ما يجعل الفعل منسوباً إلى صاحبه. قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾[سورة البلد: 10]
مرتبة العقل
في هذه المرتبة يبدأ الإنسان في أن يفهم ما يعيش، وأن ينظر في علل الأشياء وغاياتها، وأن ينتقل من ظاهر الفعل إلى معناه. فالعقل هو قوة تمييز، وفهم، وربط بين المعاني. قال تعالى:
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[سورة البقرة: 44]
مرتبة الضمير
في هذه المرتبة يتعمّق الإنسان في النفس والوعي الأخلاقي الداخلي. وهنا لا يبقى مدفوعاً بالحاجة وحدها، ولا محكوماً بالاختيار فقط، بل يصبح في داخله ميزان يشعر به الخير والشر، ويدرك به موضع الاستقامة والانحراف. وتبدأ النفس في محاسبة نفسها من داخلها. قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾[سورة الشمس: 7-8]
مرتبة التزكية
هي انتقال النفس من مجرد الوعي بالخير إلى العمل على تطهيرها وتهذيبها. وهنا لا يقف الإنسان عند معرفة الحق، بل يجاهد نفسه ليصير موافقاً له. وفي هذه المرتبة يبدأ الصعود الحقيقي من المادية إلى الصفاء، ومن التشتت إلى الاتزان، ومن الرغبة إلى البصيرة. قال:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾[سورة الشمس: 9]
مرتبة الاستخلاف
وهي ليست مرتبة سلطة، بل مرتبة يتحقق فيها المقصود من الامتحان: إنسان واعٍ، يحمل ميزان العدل والمسؤولية في فعله. وحين تبلغ النفس هذا المقام، يظهر معنى الاستخلاف. قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[سورة البقرة: 30]
