بعد الحديث عن السماوات والأرضين، ومراتب التنزّل والعروج، يأتي المقام الذي تنتظم تحته هذه المراتب كلها: العرش من جهة إحكام الأمر وتدبيره في نظام الوجود، والكرسي من جهة سعته وشموله، ويرتبط ذلك بنظام الخلق نفسه: كيف ينتظم، وكيف يُحاط به، وكيف تجري مراتبه تحت سلطانٍ واحد لا خلل فيه.
العرش: مقام التدبير الأعلى
يقترن العرش في القرآن بمعنى التدبير، فيكون بذلك مقام الإحكام الأعلى للنظام، والجهة التي ينتظم فيها الأمر قبل تنزّله في مراتب الخلق. قال تعالى:
﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾[سورة يونس: 3]
﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾[سورة المؤمنون: 86]
﴿ذُو الْعَرْشِ﴾[سورة البروج: 15]
﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾[سورة غافر: 15]
لفظ "ذو" يدل على صاحب المقام، ولفظ "رب" يدل على القائم بالتدبير، والإحاطة، والتربية. لذلك يتصل العرش بجهة الربوبية، أي بجهة الأمر الذي به ينتظم الوجود. أمّا قوله تعالى "استوى" تعني استواء التدبير، وكمال السلطان، وإحكام الأمر، أي قيام النظام على تمامه من غير خلل.
الكرسي: مقام السعة والإحاطة
يرتبط الكرسي في القرآن بمعنى السعة والإحاطة. قال تعالى:
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾[سورة البقرة: 255]
ويأتي في الآية نفسها معنى العلم والإحاطة:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾[سورة البقرة: 255]
ومن هنا يُفهم الكرسي بوصفه مقام السعة التي يندرج فيها الكون كله من جهة الوجود، والنظام، والقدر، والإحاطة.
أيُّهما أعلى: العرش أم الكرسي؟
هذا السؤال يُطرح عندما يُطلب ترتيب واحد لمعنيين مختلفين. لذلك ينبغي التمييز بين أمرين:
العلو الرتبي من جهة التدبير
والسعة الشمولية من جهة الإحاطة
فإذا نظرنا إلى الأمر من جهة التدبير، كان العرش أعلى، لأن القرآن ربطه بتدبير الأمر، وهو مقام الإحكام الأعلى للنظام. أمّا إذا نظرنا إليه من جهة السعة، كان الكرسي أوسع، لأنه جاء في سياق الشمول والإحاطة. ولا يوجد تعارض بين الأمرين، لأن العلو الرتبي غير السعة الشمولية، فقد يكون الشيء أعلى من جهة الوظيفة، ويكون غيره أوسع من جهة الإحاطة. وهذا قريب من المقارنة بين العلم والقدرة: فلكلٍّ منهما حقيقته ووظيفته، ولا يصحّ طلب المفاضلة بينهما بالمطلق ما دامت الجهة مختلفة.
حملة العرش
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾[سورة غافر: 7]
﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾[سورة الحاقة: 17]
عندما نفهم العرش على أنه مقام التدبير الأعلى، يصبح معنى الحمل أقرب إلى الوظيفة والقيام بأمر الله، لا إلى الحمل الحسيّ المباشر. وهذا ينسجم مع ما سبق في مراتب السماوات، من أن الملائكة جهات تنفيذ في نظام الأمر، كما في قوله تعالى:
﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾[سورة النازعات: 5]
وعليه، يكون حملة العرش هم الجهة التي يظهر من خلالها قيام الأمر الإلهي، ويبرز بها سلطان الحكم والتدبير في الخلق ومشهد الجزاء. أمّا قوله تعالى:
﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾[سورة الحاقة: 17]
هذه الآية تأتي في سياق يوم القيامة، أي يوم ظهور الحكم وتمام الفصل بين الخلق. لذلك يتصل هذا الحمل بمشهد اكتمال الأمر وظهور الجزاء، كما في قوله تعالى:
﴿هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾[سورة المرسلات: 38]
