يرتبط القضاء والقدر بنظرة الإنسان إلى الوجود كله: إلى ما يجري في العالم، وما يقع له في حياته، وما يصدر عنه من فعل واختيار. وهو من أكثر الأبواب اتصالًا بمعنى الحياة نفسها، لأنه يحدّد موضع النظام في الخلق، ومعنى الابتلاء، وحدود الاختيار، وأساس المسؤولية. وعليه يكون الوجود قائم على تقدير محكم، كما قال تعالى:

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾[سورة القمر: 49]
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾[سورة الفرقان: 2]
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾[سورة الرعد: 8]

فالقدر هو نظام الأشياء كما أقامها الله: ترتيبها، حدودها، سننها، وما يترتب فيها من أسباب ونتائج. لهذا يربط القرآن بين الفعل ونتيجته، بقوله:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾[سورة النجم: 39]
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾[سورة فصلت: 46]

وبهذا المعنى يكون القدر هو الإطار الذي تتحرك داخله الحياة كلها، وتتحقق فيه الأفعال وآثارها.

القدر

القدر في أصله هو التقدير، والضبط، والقياس. أي إن الأشياء لا تجري عبثًا، بل وفق سنن جارية، وحدود معلومة، وروابط دقيقة بين السبب والنتيجة. ويدخل في هذا الباب كل ما يقع في الكون من انتظام، وما يظهر في حياة الإنسان من ترابط بين السعي ومآله.

القضاء

هو الحكم الإلهي حين يتحقق ويقع داخل القدر، أي داخل نظام السنن التي أقام الله عليها الوجود، وله ثلاثة معاني:

معنى الحكم والتشريع، كما في قوله تعالى:

﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾[سورة الإسراء: 23]

معنى الإتمام والإنهاء، كما في قوله تعالى:

﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾[سورة هود: 44]

معنى تحقق الأمر ووقوعه، كما في قوله تعالى:

﴿فَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[سورة البقرة: 117]

الاختيار

الإنسان لا يملك كل ما يقع له، لكنه يملك مجالاً من الفعل يتعلق به الحساب والمسؤولية، مثل: النية، والقصد، والموقف، والسعي، والعدل أو الظلم، والإصلاح أو الإفساد.

ولهذا ينبغي التمييز بين أمرين:

ما خرج عن قدرة الإنسان واختياره، مثل: الموت المفاجئ، المرض، والحوادث التي تقع دون اختياره المباشر. وهذه تدخل في دائرة القدر الكوني والابتلاء. قال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [سورة البقرة: 155]

ما دخل في قصده وسعيه واختياره، مثل: الظلم، القتل، السرقة، الخيانة، العدوان، والتحريض، وسائر الأفعال التي ترتبط بالكسب. قال تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾[سورة البقرة: 286]
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾[سورة البقرة: 286]
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾[سورة المدثر: 38]
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾[سورة الروم: 41]

فليس كل ما يقع للإنسان من فعله، كما أن ليس كل ما يصدر عنه خارجاً عن اختياره.

الجبر

هنا يأتي السؤال: إذا كان الله يعلم كل شيء، فكيف يبقى الإنسان مختاراً؟

صحيح أن القرآن يُثبت إحاطة علم الله، بقوله:

﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[سورة البقرة: 282]
﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾[سورة طه: 7]
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾[سورة البقرة: 255]

لكن هذا العلم ليس علّة الجبر. لأنه كون الله يعلم ما سيفعله الإنسان لا يعني أنه أجبره على فعله، فالعلم ليس قوة تدفع الإنسان إلى الفعل قهراً. لو كان الأمر كذلك، لسقط معنى الأمر والنهي، والثواب والعقاب، والتوبة والندم. لهذا يخاطب القرآن الإنسان من جهة اختياره، فيقول:

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾[سورة الكهف: 29]

هذه الآية تُثبت أن مشيئة الإنسان حقيقية، لكن هذه المشيئة لا تقوم خارج سلطان الله، كما في قوله تعالى:

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾[سورة الإنسان: 30]

والمقصود أن الإنسان لا يخرج بمشيئته عن سنن الكون ونظام الوجود الذي أقامه الله، وإنما يتحرك داخله ويختار بإرادته، ويُحاسب على ما اختاره. فالله يعلم ما سيفعله الإنسان، وما ستؤول إليه طرقه. أمّا اللوح المحفوظ فهو تابع لعلم الله المحيط، ولا يعني أن علم الله أجبر الإنسان على فعل واختيار ماكُتِبَ. فكل ما يقرّ به الإنسان من دعاء، وتوبة، ومعرفة، وعمل صالح، يدخل في هذا البناء، لأنها تغير باطنه، وحين يتغير الباطن يتغير المسار، ويرتقي من داخل القدر، لأن القدر نفسه يتضمن هذه الأبواب التي فُتحت له. قال تعالى:

﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[سورة الرعد: 39]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[سورة الرعد: 11]
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾[سورة غافر: 60]
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾[سورة محمد: 17]

ومن هنا نفهم الشرّ أنه انحراف في استعمال القدرة التي مُنحت للإنسان. قال تعالى:

﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾[سورة النساء: 79]
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾[سورة الروم: 41]

وإمكانية هذا الانحراف هو جزء من الابتلاء، لأن القدرة نفسها قد تكون باب خير أو باب فساد، والامتحان قائم في هذا المجال المفتوح الذي يختار فيه الإنسان طريقه. لهذا قال تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾[سورة الرعد: 31]

أي إن عدم وقوع الهداية العامة على صورة الجبر متصل بحكمة الاختبار، وإعطاء الإنسان مجالاً حقيقياً للاختيار. في النهاية الله لا يترك الإنسان بلا أفق. قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾[سورة المائدة: 35]

فالوسيلة هي كل ما يعيد القلب إلى الله، والنتيجة التي يعد بها القرآن واحدة:

﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾[سورة النساء: 64]