بعد بيان الجوهر المفهومي للعقيدة، ينتقل هذا القسم إلى بعض الصور والممارسات والأوصاف التي نُسبت إلى العلويين تاريخياً، لتمييز ما هو أصل في العقيدة مما هو أثرٌ اجتماعي أو تاريخي أو تأويلي.

منع المرأة من المعرفة

الذكورة والأنوثة وصفان جسديان لاعلاقة لهما بالمعرفة والوعي والقُرب من الحق، والإنسان في جوهره لا يُقاس بجنسه ولا مكانته الإجتماعية، بل بما يحمله من نور، وصفاء، وقابلية في الإدراك. ولهذا لا يوجد في أصل العقيدة ما يسمّى "معرفة خاصة بالرجال"، ولا ما يمنع المرأة من السير في مراتب الفهم أو الارتقاء في الطريق، لأن العقل لا جنس له، والنور لا يميّز بين ذكر وأنثى، والمعيار هو صفاء القابلية والاستعداد.

لكن هذا الجوهر لم يبقَ ظاهراً في الواقع الاجتماعي كما هو، بسبب ماعاشته الطائفة العلوية لقرون من اضطهاد وتكفير وتهجير. وفي مثل هذه الظروف يتحول الحرص على الجماعة إلى انغلاق، ومع امتداد هذه الحالة ظهر نوع من الاحتكار المعرفي، وصار بعض أصحاب السلطة الدينية أو الاجتماعية يميلون إلى حصر المعرفة في دوائر ضيّقة. وزاد الأمر تعقيداً هو واقع الزواج المختلط داخل مجتمعات كانت تنظر إلى العلويين بعِداءٍ وتكفير، فظهر منطق دفاعي رأى في حجب بعض المعارف وسيلة لتقليل الخطر، ومنع التسرّب، وتجنب الاصطدام. لكن الإجراء الاحترازي إذا طال أمده يتحوّل إلى عُرف، ويتحول العُرف إلى مايشبه الأصل، ويُلبس مع الوقت لباس الدين. لذلك ما جرى من حجب بعض مسارات المعرفة عن المرأة لايدخل في جوهر العقيدة، بل هو نتيجة اختلاط الدين بالعادات، والخوف بالحماية، والسلطة بالمعرفة. والمطلوب هو تنقية هذا الجوهر، وردّه إلى أصله.

النبوّة والتفاضل بين الرجل والمرأة

لكن هذا التمييز بين جوهر العقيدة وما دخل عليه من عادات وتراكمات اجتماعية يجرّ إلى مسألة أخرى استُخدمت لتثبيت هذا التفاضل بين الرجل والمرأة، وهي مسألة النبوّة. لكن هذا الفهم يقوم في أساسه على الخلط بين القيمة الروحية للإنسان، والوظيفة التي ارتبطت بظروف النبوّة والبلاغ وواقع المجتمعات التي ظهرت فيها الرسالة.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾[ سورة إبراهيم: 4]

فالنبوّة وظيفة تواجه مجتمعاً قائماً، وتخاطبه من داخله، وتتحرك ضمن شروطه التاريخية والاجتماعية، واختيار الرسل جاء في إطار البنية والطبيعة القبلية التي كان المجال العام فيها، من قيادة ومواجهة، محصوراً إلى حد كبير في الرجال. خلاصة القول، أن غياب النبوّة العلنية عن النساء لا يعني غياب القُرب والمعرفة، لأن المفاضلة ليست بين رجل وامرأة، بل بين نفس صافية ونفس غافلة، وبين عقل منفتح على النور وعقل محجوب عنه.

السب واللعن

أولاً ينبغي التمييز بين السبّ واللعن، فالسبّ شتمٌ وإيذاء لفظي، يقوم على الإهانة والانفعال. أمّا اللعن فهو دعاءٌ بالبعد عن الرحمة، أو إعلان براءةٍ من طريقٍ ظالم. أما موقف القرآن من ذلك، ببقوله:

﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[ سورة الإسراء: 53]
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾[ سورة الأنعام: 108]

أما اللعن في القرآن، فقد جاء بوصفه حكماً إلهياً على نمطٍ محدد من السلوك، كما في قوله تعالى:

﴿لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾[ سورة هود: 18]

أو في قصة إبليس حين:

﴿أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ﴾[ سورة البقرة: 34]

فاللعن هنا توصيف صادر عن علمٍ مطلق يحيط بالنيات والسرائر. وهذا يوضّح الفرق بين مقام الله ومقام الإنسان: فالله يحكم بعلمٍ كامل، أما الإنسان فمكلّف بالعدل في حدود علمه، لا بالحكم على المصائر. ولهذا يقول تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚاعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾[ سورة المائدة: 8]

وبهذا يبقى إنكار الظلم واجباً، لكن الفصل في العواقب ليس من وظيفة البشر. أمّا قوله:

﴿أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾[ سورة البقرة: 159]

فهي لا تمنح الأفراد سلطةً مطلقة في توزيع اللعن، بل تصف حالاً مقروناً بفعلٍ بيّنه النص، وتابعاً لحكمٍ إلهي سابق، لا صادراً عن أهواء شخصية، واللعن هنا نتيجة توصيف قرآني، وليس رخصةً مفتوحة لكل أحد أن يحوّل موقفه إلى حكمٍ نهائي.

قد يأتي أحدهم ويسأل: ماذا عن أعداء آل البيت؟ أليس الولاء لهم يقتضي البراءة من أعدائهم؟ هنا أيضا ينبغي أن نفرّق بين البراءة من الظلم وهي أصلٌ قرآني، وبين الخصومة وتحويلها إلى عداء دائم فهذا لا ينسجم مع القرآن نفسه. لأنه يمكن إعلان الانحياز إلى الحق، وإدانة الظلم، ورفض الكِبر والعدوان، من غير أن يتحول اللعن إلى هوية، أو محور الخطاب. فالولاء لآل البيت لا يُقاس بشدة الخصومة، بل بمدى الاقتداء بأخلاقهم، لطالما كان ميزانهم هو العدل، فلا يُعقل أن يُدافع عنهم بما يخلّ بالعدل الذي قاموا به.

لذلك تفرّق العقيدة بين الموقف من الظلم، وثقافة اللعن، فهي لا تدّعي علم القلوب، ولا تتجاوز حدود الإنسان إلى مقام القضاء الإلهي، والنور فيها لا يُثبت نفسه باللعن والخصومة، بل بأن يكون نوراً وثباته على الحق.

الكتب السرّية

أمّا ما يُثار من نصوص منسوبة إلى مؤلفات متأخرة، فيُقاس بالميزان: هل ثبتت توثيقاً؟ هل تنسجم مع القرآن؟ هل تحفظ التنزيه؟ لأن النص الظني لا يُقدَّم على الميزان القطعي. وقد يوجد في الواقع سبّ أو لعن صدر من أفراد أو منابر، كما في كل بيئة مذهبية عبر التاريخ، لكن الخطأ الاجتماعي لا يتحول إلى أصل عقيدة، وردود الفعل الغاضبة لا تُعرّف جوهرها.

لذلك ما يُثار حول ما يسمى بـ "الكتب السرّية"، ووجود نصوص مخفية، يتعلق بتراكمٍ تأويليٍّ تشكّل عبر قرون، ثم تحوّل تدريجياً إلى مرآةٍ تُقرأ من خلالها العقيدة. وارتباط العلوية بالكتمان، وسوء فهم الباطنية، رسّخ عبر الزمن صورة جعلت العقيدة تبدو وكأنها مكوّنة من نصوص مختلفة مخفية عن الناس، مع أن الموجود في الواقع هو نصوص متباينة في المنهج، بعضها شروح وتأويلات، وبعضها انعكاس لمناخات فكرية عاشها مؤلفوها، وبعضها لا يعبّر عن الجوهر في نقائه الأول، و حملت بعض هذه النصوص في صفحاتها نزعاتٍ غنوصية، وتأويلاً عرفانياً شيعياً، وفهماً رمزياً مادياً تأثر بمناخات فكرية عرفها التاريخ الإسلامي.

لكن النص، مهما بلغ أثره، يظل اجتهاداً بشرياً محكوماً بحدود اللغة والثقافة والزمان. ويبدأ الخلل حين يُرفع الاجتهاد إلى مقام الأصل، فيتقدم التراكم على الجوهر، ويصبح الشرح مرجعاً، والتأويل معياراً، بدل أن يكونا خاضعين لميزان العقيدة. فالانتشار لا يمنح النص عصمة، والتداول لا يجعله مطابقاً للجوهر، وظهور تأويلات متباينة في الفهم، واتجاهات فرعية داخل العلوية، شاهدٌ على أن هذه النصوص لا تمثل جوهراً واحداً مكتملاً، وإلا لما ظهرت هذه الاختلافات أصلاً. كما أنه لا يمكن إغفال التدخل الخارجي في بعض المراحل، حيث اقتُطعت نصوص من سياقها، ووُسِّعت تأويلات هامشية، وأُلصقت بالعقيدة أمور لا تعبّر عن جوهرها، ثم قُدِّم ذلك كلّه على أنه "الحقيقة الكاملة" لها، فتحوّل النص من أداة فهم إلى أداة اتهام.

ومن أجل الإنصاف ينبغي الاعتراف بأن غياب المنهج النقدي الداخلي في بعض المراحل أسهم أيضاً في تثبيت تأويلات لم تُعرض بما يكفي على ميزان التوحيد والتنزيه. فالعقيدة تُقاس بسلامة الميزان الذي تُقرأ به الكتب، والجوهر يُعرف بميزان التنزيه، والنص يُفهم بميزان التحقيق، والتاريخ يُقرأ بميزان الوعي. فما وافق هذا الميزان يُفهم في سياقه، وما ناقضه لا يُتخذ معياراً، مهما كان شائعاً أو متداولاً.