قصة يونس في القرآن تمثّل مساراً من مسارات الابتلاء، والتحول الداخلي، وتكشف كيف يدخل العبد طوراً من الضيق يشتد حتى يبلغ موضع الانقطاع، ثم لا يكون خروجه منه إلا بالتسبيح والرجوع إلى الله، فيعود إلى مقام النجاة والاصطفاء. مع تأكيد القرآن على مقام يونس النبوي، بقوله:
﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾[سورة الصافات: 139]
وفي هذا إشارة إلى أن مقام النبوّة لا يمنع مرور النفس بتجربة الامتحان عندما تواجه قسوة الواقع، وتميل إلى استعجال الخروج من موضع الابتلاء قبل أن ينقضي أمرها ويكتمل مقامها. قال تعالى:
﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيۡهِ﴾[سورة الأنبياء: 87]
"نَقْدِرَ عَلَيْهِ" هنا هو التضييق، كما في قوله تعالى:
﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾[سورة الطلاق: 7]
وهكذا دخل يونس طوراً من الضيق والابتلاء لم يكن يظن أن يبلغ به الأمر هذا الحد، فخرج منه، بينما كان الامتحان ما يزال قائماً وممتداً إلى غايته. فقال تعالى:
﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾[سورة الصافات: 140-141]
﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾[سورة الصافات: 142]
أي لم يعد يملك ردّ ما نزل به، فانكشف ضعفه، وسقط اعتماده على نفسه، ودخل في موضع الملامة، فلم يبق امامه إلا أن يردّ الأمر إلى الله. قال:
﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾[سورة الأنبياء: 87]
وهنا عودة الميزان إلى أصله: توحيد، تنزيه، واعتراف بأن الخلل كان في النفس. فتأتي النجاة في قوله تعالى:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾[سورة الأنبياء: 88]
﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[سورة الصافات: 143-144]
وهذه النجاة لم تكن وليدة كلمةٍ عابرة قيلت في لحظة الشدة، بل حالاً ممتداً من الذكر، ظهر صدقه عندما جاء الامتحان. فتحولت قصة يونس إلى درساً وميزاناً،كما جاء في سورة القلم بحقّ النبي محمد:
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾[سورة القلم: 48]
ثم تنتهي القصة بالاجتباء والصلاح، بقوله تعالى:
﴿لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [سورة القلم: 49-50]
وهذا تأكيد على أن الغاية من القصة، كشف كيف يُصقل العبد بالضيق حتى يعود إلى المقام على وجهٍ أصفى. فالخلل يبدأ حين تستعجل النفس الخروج من موضع الابتلاء قبل تمامه، ثم تبلغ القصة ذروتها في لحظة تنقطع الأسباب التي كان الإنسان يظن أنها تسنده، فلا يبقى له إلا نفسه على حقيقتها، ويرى ضعفه كما هو. عندئذ يبدأ طريق النجاة، بالتسبيح وردّ الأمر إلى التوحيد والتنزيه.
