حين يكثر الظلم في الأرض، ويتسع الفساد، ويختلط الحق بالباطل حتى يعسر التمييز بينهما، ينشأ في النفس شوق إلى لحظة ينكشف فيها الميزان من جديد. من هنا جاءت صورة المهدي المنتظر في وعي الناس: انتظار لظهور يعيد العدل، ويكسر غلبة الباطل، ويردّ الحق إلى موضعه. هذه الرغبة مفهومة، لأن الإنسان لا يحتمل أن يرى العالم غارقاً في الكذب، والقتل، والفساد، من غير أن يشعر في داخله أن لهذا كله نهاية، وأن للحق ساعة يعود فيها إلى الظهور.
لكن عندما تتحول هذه الفكرة إلى انتظار شخص يأتي ويفعل كل شيء وحده، بينما تبقى النفوس، والعقول، والجماعات على حالها، هنا يضيع جوهر الحياة. لأن القرآن لا يعلّم الإنسان أن يعلّق مسؤوليته على غائب، ولا يربيه على أن يؤجل العدل إلى زمن آخر، بل يردّه إلى النفس والوعي، وإلى الداخل الذي تتكوّن فيه قابلية الظلم أو قابلية الحق. لهذا قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[سورة الرعد: 11]
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾[سورة الشمس: 9]
أي أن التغيير يبدأ من الداخل، لأن العدل لا يثبت في الخارج إذا لم يكن له أصل في النفس والوعي. لهذا قد تتبدل الصور، ويبقى الخلل في موضعه، لأن العلّة لا تسكن الظاهر وحده، بل تمتد إلى عقل يقبل الباطل، ونفس تتوافق معه، وجماعة لا تغيّر ما استقر فيها. لكن رغم ذلك، يعد الله بإظهار الحق، وردّ الميزان، وتمكين من يحمل العدل. قال تعالى:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾[سورة القصص: 5]
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾[سورة النور: 55]
لذلك فإن حقيقة المهدي هي ظهوراً للهداية، وانكشاف النور عندما يشتد سلطان الباطل. لكن هذا الظهور لا ينفصل عن قابلية تستعد له، ولا عن نفوس تتزكى، ولا عن جماعة تتهيأ لحمل العدل. وهذا هو المعنى الذي تكشفه قصة يونس أيضاً، لأن النجاة لم تأتِ بمجرد انتظار الخلاص، بل جاءت عندما رجع يونس إلى التوحيد، فقال:
﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[سورة الأنبياء: 87]
ثم قال تعالى:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾[سورة الأنبياء: 88]
وكذلك لم يُكشف العذاب عن قوم يونس إلا لما رجعوا هم أيضاً، كما قال تعالى:
﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾[سورة يونس: 98]
وهذا هو المعنى الذي ظهر في الإسراء والمعراج، حين كان موضع الشهود هو الفؤاد:
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾[سورة النجم: 11]
وهو نفسه الذي ظهر في قصة موسى والخِضر، حين لم تكن الحقيقة كلها في ظاهر الفعل، بل كان وراءها تأويل أوسع لا ينكشف من النظرة الأولى.
لذلك الأصل في المهدي هو الهداية نفسها، فمن استنار قلبه، وانكشف له الحق في وعيه، وقام العدل في نفسه، وصار مستعداً أن يحمل النور، فقد دخل معنى الظهور، واقترب من سرّ المهدي الذي يجعل الهداية عملاً وحضوراً، وليس حكاية مؤجلة معلّقة على ظهور إنسان.
