الختم وتمام المقام

مع محمد يبلغ التجلّي طور الختم، وتبلغ الرسالة تمام بيانها. في هذه القُبّة تستقر الشريعة في صورتها الجامعة، ويتسع الخطاب حتى يصير موجهاً إلى الناس كافة، ويظهر مقام الرحمة في أكمل صوره الظاهرة. لهذا قال تعالى:

﴿وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾[سورة الأحزاب: 40]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾[سورة الأنبياء: 107]

والختم في هذه القُبّة بمعنى الاكتمال: اكتمال البيان، والحجة، والصورة التي اجتمعت فيها الشريعة والرحمة والرسالة الجامعة.

المعنى: علي بن أبي طالب

يمثل عليّ في هذه القُبّة معنى اكتمال العلم والعدل والولاية في الإنسان بعد اكتمال الرسالة. فهو مرآة لتمام المقام الإنساني في القُرب من غير خروج عن العبودية، والعلم من غير انفصال عن العمل، وفي العدل من غير قسوة، فالقُرب يحقق العبودية في أصفى صورها. قال تعالى:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾[سورة يونس: 62]
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾[سورة المائدة: 55]

فالولاية هنا ليست خروجاً عن مقام العبودية، بل بلوغاً له في أصفى درجة، عندها يصير الإنسان ثابتاً في الحق، عارفاً به، قائماً به.

الحجاب: محمد

محمد هو حجاب هذه القُبّة، لأنه حامل الرسالة الجامعة والخاتمة، وبه ظهر القرآن والبيان والشريعة في أكمل صورها. من خلاله انتقل النور إلى العالم بلسان يفهمه الناس، وشريعة تستوعب حياتهم، وتجمع بين ظاهر العبادة وباطن الهداية، وبين ميزان العدل واتساع الرحمة. فهو موضع الختم من جهة النبوة، وموضع الظهور الكامل من جهة البيان.

الباب: سلمان الفارسي

مع سلمان الفارسي يظهر الباب الذي يفتح هذا النور على العالم كله، لأن حضوره يرمز إلى أن القرب من الحق لا يتحدد بالنسب، ولا يحصره أصل قومي أو انتماء قبلي، بل تفتحه القابلية، ويثبته الطلب والصدق، والتزكية. قال تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[سورة الحجرات: 13]
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾[سورة الأعراف: 158]